الشوكاني
47
فتح القدير
لا يعرف مقداره عمقا أو طولا أو عرضا . وقد قدر أئمة الفقه أرش كل جراحة بمقادير معلومة ، وليس هذا موضع بيان كلامهم ، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر . قوله ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) أي من تصدق من المستحقين للقصاص بالقصاص ، بأن عفا عن الجاني فهو كفارة للمتصدق يكفر الله عنه بها ذنوبه . وقيل إن المعنى : فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه . والأول أرجح ، لأن الضمير يعود على هذا التفسير الآخر إلى غير مذكور . قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ضمير الفصل مع اسم الإشارة وتعريف الخبر يستفاد منها أن هذا الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية . قوله ( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ) هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة : أي جعلنا عيسى ابن مريم يقفوا آثارهم : أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل ، يقال قفيته مثل عقبته : إذا أتبعته ، ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به فيتعدى إلى الثاني بالباء ، والمفعول الأول محذوف استغناء عنه بالظرف ، وهو على آثارهم لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ، وانتصاب ( مصدقا ) على الحال من عيسى ( وآتيناه الإنجيل ) عطف على قفينا ، ومحل الجملة أعني ( فيه هدى ) النصب على الحال من الإنجيل ( ونور ) عطف على هدى . وقوله ( ومصدقا ) معطوف على محل ( فيه هدى ) أي أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه مشتملا على الهدى والنور ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وقيل إن مصدقا معطوف على مصدقا الأول فيكون حالا من عيسى مؤكدا للحال الأول ومقررا له . والأول أولى لأن التأسيس خير من التأكيد . قوله ( وهدى وموعظة للمتقين ) عطف على مصدقا داخل تحت حكمه منضما إليه : أي مصدقا وهاديا وواعظا للمتقين . قوله ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) هذا أمر لأهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه ، فإنه قبل البعثة المحمدية حق ، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة . وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من يحكم على أن اللام لام كي ، وقرأ الباقون بالجزم على أن اللام للأمر . فعلى القراءة الأولى تكون اللام متعلقة بقوله : وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه ، وعلى القراءة الثانية هو كلام مستأنف . قال مكي : والاختيار الجزم ، لأن الجماعة عليه ، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله لأهل الإنجيل . وقال النحاس : والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأن الله سبحانه لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه . قوله ( وأنزلنا إليك الكتاب ) خطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والكتاب القرآن والتعريف للعهد . و ( بالحق ) متعلق بمحذوف وقع حالا : أي متلبسا بالحق ، وقيل هو حال من فاعل أنزلنا ، وقيل من ضمير النبي صلى الله عليه وآله وسلم و ( مصدقا لما بين يديه ) حال من الكتاب ، والتعريف في الكتاب أعني قوله ( مصدقا لما بين يديه من الكتاب ) للجنس : أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبسا بالحق وحال كونه مصدقا لما بين يديه من كتب الله المنزلة لكونه مشتملا على الدعوة إلى الله والأمر بالخير والنهي عن الشر ، كما اشتمل عليه قوله ( ومهيمنا عليه ) عطف على مصدقا ، والضمير في عليه عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه . والمهيمن الرقيب ، وقيل الغالب المرتفع ، وقيل الشاهد : وقيل الحافظ ، وقيل المؤتمن . قال المبرد : أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء ، كما قيل في أرقت الماء هرقت ، وبه قال الزجاج وأبو علي الفارسي . وقال الجوهري : هو من أمن غيره من الخوف ، وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء ، كما قالوا هراق الماء وأراقه ، يقال هيمن على الشئ يهيمن : إذا كان له حافظا ، فهو له مهيمن كذا عن أبي عبيد . وقرأ مجاهد وابن محيصن " مهيمنا عليه " بفتح الميم ، أي هيمن